قضية التقاعد في البحرين – وسياقها الإقليمي والدولي - الجزء الثاني

ابراهيم خليل ابراهيم

باحث في شؤون التقاعد، رئيس مؤتمر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا السنوي للتقاعد

نصف متقاعدي القطاع الحكومي تقريبا وثلثا متقاعدي القطاع الخاص خرجوا على التقاعد المبكر

عالميا عوائد الإستثمار في العشر السنوات الأخيرة أقل بكثير عن المعدلات التاريخية

عجوزات أنظمة التقاعد تؤثر سلبا على التصنيف الإئتماني للدول

تقارير العجز الإكتواري تجريها مؤسسات محايدة وطبقا لمعايير دولية

من سمات الإصلاح الناجح للتأمينات الإجتماعية هي “التدرج” و”المرونة” و”إعطاء الخيار للمشتركين”

في لقاءنا الثاني مع القياديي البحرينيي في صناعة التقاعد الخاص، إبراهيم خليل إبراهيم، رئيس المؤتمر السنوي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا للتقاعد الذي يقام سنويا في مملكة البحرين وأحد المتحدثين في مؤتمرات التقاعد الإقليمية والدولية ، نسلط مزيدا من الضوء على الشأن التقاعدي المحلي وسياقه الإقليمي والدولي، وذلك لأهمية موضوع التقاعد في الساحة المحلية حاليا وندرة المعلومات المتوافرة والمتخصصين في هذا المجال، ونواصل حوارنا الذي أجريناه مع إبراهيم الإسبوع الماضي والذي لقي إهتماما من الأطراف المعنية بهذا الشأن، وفيما يلي نص الحوار:

—  نلاحظ ان غالبية الإنتقادات التي توجه لموضوع التقاعد لا تزال تركز على إستثمارات الهيئة وأداء تلك الإستثمارات. ماذا تقولون في هذا الجانب؟

—-   دعني أبدأ بالتأكيد بأن موضوع التقاعد هو عاصفة سوف تجتاح عشرات من عواصم الدول المتقدمة والنامية على حد سواء خلال العشر أو العشرين سنة القادمة. من المهم أن نرى الصورة الكبيرة للأشياء، هذه الأزمة ليست مجرد نتيجة لسياسات خاطئة – رغم أن ذلك يعد عاملا مهما. إنها مشكلة أكبر حتى من الحكومات والمؤسسات الأكثر انضباطًا والتي تركز على التخطيط للمستقبل. والأسوأ من ذلك، أن عامة الناس يتعقدون أن هذه المزايا الموعودة هي مضمونة دون تغيير لأننا ببساطة في القرن الواحد والعشرين، وقاموا بترتيب حياتهم بناءا عليها.

ربما كانت ستجري الأمور كذلك، لولا التغييرات الديموغرافية والإقتصادية المحيطة ببيئة صناديق التقاعد. فبالإضافة إلى الإرتفاع المضطرد في متوسط عمر الإنسان (longevity) وإنخفاض نسبة المواليد (fertility)،  هناك عامل الإستثمار وهو العنصر الثالث في ما يمكن تسميته بثالوث “الأخطار الكبرى” في صناعة التقاعد. في حوارنا السابق قمنا بتغطية الأسباب الديموغرافية وكذلك الفنية المتعلقة بنوعية نظام التقاعد المتبع، ولا بأس أن نلقي بعض الضوء في هذا اللقاء على موضوع الإستثمار.

يتحمس البعض وبنية حسنة للقيام بحسبات ذكية وسريعة، شديدة التبسيط، لتقدير حجم مساهمات المشتركين في صنايق التقاعد، ثم يضرب تلك المبالغ بعائد سنوي قدره 3 أو 4% على الودائع المصرفية الثابتة، ليخرج بنتائج مذهلة وسهلة التحقيق، ليقول إن إستثمارات التأمينات يمكنها أن تحقق عائدا مرموقا إذا ما أودعناها في المصارف، وأين الصعوبة في ذلك؟

والواقع أن صناعة التقاعد، فيما يرتبط بالإستثمار، لها أصولها وممارساتها المنظمة بعلم الإستثمار والمبادىء الإقتصادية من جهة، ومن جهة أخرى بالبيئات التنظيمية التي تهتم بحماية أموال المشتركين وحقوقهم التقاعدية وبمبادىء الحوكمة وإدارة المخاطر. وهي صناعة إستثمارية بإمتياز إذ تمتلك (أي صناعة التقاعد) أكثر من 33% من مجموع الأصول المالية العالمية، ما يعكس عمقها وقوتها الإقتصادية في العالم.

وكممارسة عالمية لدى غالبية صناديق التقاعد، فإن الوادئع المصرفية إن وجدت ضمن توزيع أصولها، فإنها لا تتعدى مستوى الـ 5% من محفظة الإستثمار وذلك لدعم السيولة لأية إلتزامات مالية  آنية وقصيرة الأجل. أما غالبية أصولها فإنها تستثمر بشكل رئيسي في السندات والأسهم بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال طرق الاستثمار الجماعي. بمعنى آخر، فإن جل هذه الأصول هي في الأسواق الإستثمارية. وبسبب طبيعة أصول التقاعد والإلتزامات المالية طويلة الأجل التي تغطيها، فإن هذه الأصول تستمر بمدى زمني طويل يتعدى العشرين والثلاثين عاما أحيانا. كما أن إدارة إستثمارات التقاعد، تماما مثل إدارة الإستثمارات الدولية، هي عملية حسابية دقيقة تتعامل مع سلة من الأخطار والمنتجات والأصول والدول والعملات والقطاعات ومدراء الإستثمار .. إلخ لتحقيق أفضل مستويات الأداء المستهدف.

وإذا ما نظرنا إلى البيئة الإستثمارية خلال السنوات العشر الماضية منذ الأزمة المالية لعام 2008 وكذلك التوقعات المستقبلية، فإن هناك تحديات كبيرة (قد لا يهتم لها عامة الناس لكنها جوهرية في عالم الإقتصاد) وهي أن عوائد الإستثمار طويلة الأجل هي أقل بكثير من المعدلات التاريخية.

فعلى مدى الثلاثين سنة الماضية مثلا، هناك إنخفاض متواصل في العائد على السندات السيادية لمدة 10 سنوات (10-year sovereign yield) من حوالي 18% في العام 1980 إلى 1% في العام 2017، كما أنه، ورغم التدابير النقدية وسياسة التخفيف الكمي (quantitative easing) التي إتخذتها المصارف المركزية لحقن السيولة في الأسواق عن طريق شراء سندات حكومية طويلة الأجل وبأسعار فائدة سلبية تقريبا، إلا أن مجمل التقديرات

تشير إلى أننا مازلنا بعيدون عن مستوى العائدات ما قبل الأزمة، وأنه من المتوقع أن تسجل الأسهم انخفاضاً بنسبة 5٪ دون المتوسطات التاريخية، وأن تكون عائدات السندات أقل بنسبة 3٪.

وأن معدلات فائدة منخفضة كهذه تفاقم من العجز التمويلي لصناديق التقاعد حاليا وفي المستقبل، بسبب أن هذه العوائد المتوقعة تحتسب فنيا ضمن رأس المال الذي يدعم الإلتزامات المستقبلة، وبسبب تقلص العائدات فإن العجوزات الإكتوارية المسجلة تكون أكبر. ويشير صندوق النقد الدولي في تقريره عن الاستقرار المالي العالمي (GFSR) إلى إن الملاءة المالية للعديد من صناديق التقاعد مهددة بفترة طويلة من انخفاض أسعار الفائدة.

وبخلاف المحافظ الإستثمارية الأخرى التي تستطيع تخصيص مزيد من أصولها نحو الأسهم بسب أرتفاع عائداتها المتوقعة، فأن صناديق التقاعد تضطر إلى اللجوء إلى الدخل الثابت (السندات) في جزء كبير من أصولها لانه يتناسق أكثر مع التحوط من مخاطر عدم التطابق الإكتواري بين الأصول والإلتزامات المالية بسبب تقلبات سوق الاسهم، وهو ما يتفق مع النظرية الاقتصادية.

وللعلم، فإن محافظ صناديق التقاعد وتوزيع أصولها يبنى عادة على أساس دراسة ما لديها من أصول والتزامات حسب المدد المستقبلية، حيث تولد هذه الدراسات سيناريوهات اقتصادية مستقبلية محتملة. ثم يتم استخدامها لفهم تأثير المتغيرات الرئيسية في اتخاذ القرارات، على سبيل المثال، مستوى الإشتراكات، حجم الموجودات، الأدوات الإستثمارية، العائد المتوقع، حجم الإلتزامات، مؤشرات التضخم المعتمدة، وتأثير كل ذلك على الملاءة المالية الإجمالية للصندوق.

—  بعض الإقتصاديين شكك في حجم العجز الإكتواري والمبالغة فيه، وقال إن الهيئة لا تقدم المعلومات الكافية حول أسس إحتساب العجز الإكتواري؟

—-     البعض ربما إنغمس في نظرية المؤامرة بأكثر مما يجب.  ويقول أولا، إن العجز الإكتواري هو ليس ظاهرة إستثنائية تعاني منها هيئة التأمينات الإجتماعية عندنا في البحرين فقط، وإنما يعاني منها أكثر من 90% من صناديق التقاعد الحكومية حول العالم. ثانيا، إن الجهات التي تقوم بإحتساب وإعتماد مستويات التمويل والعجز الإكتواري هي جهات محايدة وعادة ما تكون إحدى كبرى شركات التدقيق العالمية الأربع، مدعومة بتقرير إكتواري مستقل تفصيلي لكل الإفتراضات، وأن الأسس المستخدمة هي أسس محاسبية فنية، لا دخل للهيئة فيها. ثالثا، إن الإتجاه أو السلوك الطبيعي لكل مؤسسة مالية أو نظام مالي في العالم (إذا إستطاع) هو إخفاء أو التخفيف من الإلتزامات والعجوزات في موازنته، لا المبالغة في حجمها، لأن ذلك ينعكس سلبيا على الوضع والسمعة العامة لتلك المؤسسة. رابعا، إن الأسس المستخدمة في التقارير المالية للهيئة هي معايير محاسبية دولية (IFRS) و(GAAP) وليست معايير الهيئة، وقد أدخلت تلك المعايير في السنوات الخمس الأخيرة متطلبات جديدة في إعداد التقارير المالية على الدوائر الحكومية، بما فيها موضوع العجوزات الإكتوارية لصناديق التقاعد، مركزة فيها على الإلتزامات التقاعدية الصافية، والحصة التناسبية للحكومة في الالتزامات التقاعدية غير الممولة، وتأثير التغييرات في الافتراضات، وكيفية رصد تكاليف معاشات التقاعد في الميزانية العمومية، وبيان الدخل، وكيفية التوفيق في اختلافات النهج بين المحاسبين والخبراء الاكتواريين لمعاشات التقاعد، ما يعني أن الشأن المالي لصناديق التقاعد يخضع لكثير من الفحص والتحليل والمطابقة مع المعايير الدولية من قبل شركات التدقيق، سواء في التقارير المالية لهيئة التقاعد أو الحسابات الوطنية للدولة.

خامسا وأخيرا، وعلى مستوى التصنيف الإئتماني للدول وبالنسبة لوكالات التصنيف الدولية الثلاث، فإن التزامات التقاعد غير الممولة تعد عنصرا مهما في إجمالي الالتزامات طويلة الأجل والتي يتم إدراجها في ميزانية الدولة كالتزام، على غرار أي دين طويل الأجل. ويصبح السؤال إذن، كيف ستبالغ الهيئة أو الحكومة في تضخيم عجوزاتها المالية عندما يؤثر ذلك بشكل مباشر على تصنيفها الائتماني في أسواق المال، وبالتالي على تكلفة الإقتراض عليها ؟ فالمعررف أن هناك علاقة بين التصنيفات الائتمانية وعائد السندات – إذ تميل السندات ذات التصنيف الائتماني الأدنى إلى طلب عائد أعلى للمستثمرين، وبالتالي توفير رأس مال أقل للحكومة المقترضة. لذا فإن الإهتمام بإدارة أنظمة التقاعد وتحسين مستوى تمويلها يؤدي وبشكل مباشر إلى تعافي الميزانية العامة للدولة ويقلل عليها تكلفة التمويل.

— سمعنا في الايام الأخيرة بعض التسريبات على أن القانون الجديد سوف يلغي التقاعد المبكر إلا بتقرير طبي، ما رأيكم في هذا التوجه وهل هو مناسب للوضع البحريني؟

—-     لقد تحدثت في اللقاء الماضي حول هذا الموضوع بإسهاب وذكرت رأيي بصراحة، حتى أن البعض قال إنني أمثل الرأي الحكومي في هذا الموضوع، رغم إن تحليلي للقضية كان مهنيا حسابيا بحت، مبني على دراسات منشورة  ومشاريع يعمل فيها عدد من زملاء المهنىة في عدد من هيئات التقاعد في البلدان المجاورة.

قبل أن أجيب على سؤالك، دعني أتكلم عن التقاعد في ألمانيا أو فرنسا أو إسبانيا أو النرويج أو الدنمارك أو المملكة المتحدة أو أستراليا والتي تصل إقتصاداتها إلى تريليونات الدولارات، وهي ضمن أفضل وأقوى 10 إلى 15 إقتصاد على مستوى العالم. في مثل هذه البلدان، لا يصل الموظف إلى أهلية التقاعد الإ في سن 65 أو 67 فقط بناءً على تاريخ ميلاده. وقبل أربعة أعوام فقط، سمحوا بالتقاعد المبكر في سن 63 (بدون جزاءات أوتخفيضات في المعاش) بشرط أن يكون الموظف قد ساهم في صندوق التقاعد لمدة 45 سنة. فإن لم يكن قد أكمل 45 عاما من المساهمة، فبإمكانه التقاعد في سن 63 عامًا إذا كان قد عمل 35 عامًا على الأقل، بشرط أن تقل استحقاقات معاشه بنسبة 3.6٪ عن كل سنة تقصر عن سن التقاعد القانوني.

ويصل إنفاق ألمانيا على المعاشات التقاعدية أكثر بقليل من 10٪ من ناتجها المحلي الإجمالي، في حين يدفع الموظفون في ألمانيا 19.9٪ من دخلهم غير الخاضع للضريبة نحو صندوق المعاشات. ويبلغ المعاش التقاعدي للموظف الحكومي بعد إكماله السن القانونية للتقاعد ما نسبته  68٪ من مرتبه الأخير، أما إذا كان في القطاع الخاص، فإن سقف نسبة إستبدال المعاش هو 48٪ من صافي الدخل للسنتين الأخيرتين.

وإذا ما بدأت تقارن هذا التوصيف مع مشهد التقاعد عندنا فإنه لاشك سيصيبك الذهول. فلو صادف أن قمت بزيارة لهيئة التأمينات الإجتماعية لوجدتها مكتظة دوما بالشباب والكهول ممن هم في أوآخر الثلاثينيات ومنتصف الأربيعينات، ولا نبالغ إذا قلنا أن نسبة كبيرة منهم لازالوا يمارسون كرة القدم ومن ذوي الأجسام الرياضية! ، الإحصاءات الأخيرة تشير إلى أن 47% من المتقاعدين في القطاع العام لم يصلوا لسن الـ 60 عاما، وأن 36% من متقاعدي القطاع الخاص هم أقل من 50 عاما، و67% (أي ثلثي المتقاعدين) أقل من 60 عاما في صندوق التقاعد الخاص. ومن المفارقات أنه، رغم إنخفاض السن القانونية للتقاعد عندنا عن الدول المذكورة بسبع سنين ورغم أن التصنيف العالمي لمملكة البحرين من حيث الغنى وحجم الناتج المحلي الإجمالي هو أقل بكثير عن تلك الدول وبمرتبة 96، إلا أن نسبة إستبدال المعاش التقاعدي لدينا تصل إلى 80% من مرتب السنتين الأخيرتين.

ولنا أن نتسائل، إذا كان نصف متقاعدي القطاع العام تقريبا وثلثي متقاعدي القطاع الخاص يتقاعدون عندنا مبكرا وقبل السن القانونية، يا ترى كم نسبة الأفراد الذين سيعيشون عشرين أو ثلاثين أو اربعين عاما في حياتهم التقاعدية حسب التحسن المستمر في معدل الأعمار، وما هي الكلفة الإكتوارية لذلك؟

السؤال الآخر، ما هي الدوافع أو الرؤى أو الأسباب التي جعلت من كل هولاء إختيار التقاعد المبكر؟ هل هو الراحة والإستمتاع بالحياة، هل تركوا لأن بيئة العمل غير محببة لديهم، هل شجعتهم المؤسسات التي يعملون لديها للتقاعد لتقليل أعداد الموظفين، هل لممارسة وظائف أخرى وزيادة الدخل الشخصي، هل كانت رواتبهم ضعيفة، هل للبدء بمشروعهم الخاص، أو غيرها من الأسباب. في وجهة نظري، إن أية تغييرات في السياسة العامة للتقاعد وبالتحديد في إلغاء أو تمديد سن التقاعد المبكر دون دراسة هذه الدوافع والأسباب قد لا تكون فعالة على المدى المتوسط والبعيد.

وأمام هذه الظاهرة الكبيرة والمكلفة إقتصاديا، ظهرت مدرستان من التفكير. الأولى وهي المدرسة التقليدية والتي تقول أنه يجب على الدولة أن تقوم بدورها بدعم العائلات التي لا تستطيع توفير احتياجاتها،  ومن ثم ظهور دولة الرفاه في سبعينيات القرن الماضي. وطبقا لهذه المدرسة، فإن على الدولة المسؤلية الإجتماعية لوضع العديد من صناديق الدعم الإجتماعي بما يعزز الإستقرار الإجتماعي ويوفر نوعا من أنواع إعادة توزيع الثروة الوطنية. وأنه بمرور الوقت أصبح من المقبول الإستفادة من مزايا صناديق التقاعد الحكومية عن طريق التقاعد المبكر كواحد من تلك الصناديق، رغم كونه (أي صندوق التقاعد) في الأصل وضع لتقاعد الشيخوخة والعجز.

أما المدرسة التجديدية والتي تقودها الدول الإسكندنافية، فإنها تميل بقوة إلى الإنضباط المالي من حيث تمويل صناديق التقاعد تمويلا جيدا وأن لا يرمى على الدولة وحدها تلك المسؤلية. ولكن بدلا عن الإعتماد على القوانين الصارمة أو الجامدة، أدخلت هذه الدول على أنظمتها التقاعدية في العام 2011 شيئا ذكيا، قريب مما يعرف في علم النفس “بالإشراط الكلاسيكي”، لتعديل السلوك العام أو قرارات من هم مقبلين على التقاعد لديهم، وكذلك المؤسسات التي توظفهم. وكان الهدف من ذلك إستمرار الموظفين في وظائفهم حتى السن القانونية وتأجيل إستلام الإستحقاقات التقاعدية الحكومية لخمس سنوات أخرى، بحيث يزداد حجم الراتب التقاعدي لكل عام يؤخر. إضافة إلى ذلك، سمحت الدولة للموظفين بإستلام إستحقاقات التقاعد المهني (وهو شبيه بأنظمة ادخار الشركات لدينا لكنه إجباري في معظم الدول الأوروبية ولا يسلم إلا في نهاية الخدمة) ومواصلة العمل إختياريا لدى نفس الشركات أو غيرها حتى ما بعد السن القانوني للتقاعد، تماشيا مع تحسن متوسط الأعمار وكخيار مطروح لشريحة كبيرة ترى سعادتها في مواصلة العمل (unretirement) ولو بأنماط أخرى.

وهناك درسان أو أكثر من هذه التجربة: أولاً ، إن الرغبة في الحصول على أموال التقاعد المبكر قوية ، لكن لا يعني هذا أن الناس سوف تترك العمل بعد أموال التقاعد. ثانيًا ، ينبغي تصميم المكافأة في نظامنا التقاعدي ونسب إستحقاقها حسب إحتياجات الناس وسوق العمل، مع التركيز على دعم التقاعد التدريجي، أو ما سمي بعدم الإحالة (unretirement) لأن شريحة كبيرة من الناس تحب الجمع بين دخل العمل والراتب التقاعدي. إن من سمات النجاح لإصلاح الضمان الاجتماعي هي أن يكون ذلك النظام “موحدا” و”مرنا” و “يوفر الإختيار للمشتركين”.

—  قبل أن نختم حديثنا معك، نود معرفة ما هي توقعاتك بالنسبة لإقرار قانون التقاعد الجديد في الفترة المقبلة؟

—-   في إعتقادي أن اللجنة المشتركة المشكلة من السلطتين التنفيذية والتشريعية بتوجيه من جلالة الملك والتباحث في القانون بما يحفظ حقوق ومكتسبات المواطنين وبما يعزز من أداء وإستدامة صناديق التقاعد وتمثيل هولاء الأعضاء لشرائح واسعة كفيل بأن يخرج بنتائج طيبة ومرضية لكل الأطراف، وقد يكون ذلك في فترة قريبة جدا. وكما ذكرت سابقا، يجب إستثمار هذا الإهتمام الرسمي والشعبي والإعلامي بموضوع التقاعد لإحداث إصلاحات عميقة وعصرية لقطاع تقاعدي يعزز الأمان الإجتماعي وينهض بالإقتصاد ولا يفلس بصناديق التقاعد. وقد حان الوقت لبناء وتنظيم قطاع تقاعدي رائد للمنطقة إبتداء من مملكة البحرين.

— معظم صناديق التقاعد ذات المزايا المحددة في جميع أنحاء العالم، ورغم تباين أنظمتها التنظيمية والمحاسبية، تعاني من ضعف الملائة المالية. إذن ما الذي سوف يحدث لهذه الأنظمة الممولة جزئيا وللمشاركين فيها؟

—-   دراسات المقارنة تشير إلى أنه عندما تكون بيئة حقوق المعاشات التقاعدية ضعيفة، يتم الحفاظ على القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية من خلال تخفيض المزايا (المخصصات)، وأبرز الأمثلة في هذا المجال كندا وهولندا (أي يصبح نظام المزايا المحددة في هذه الحالة فعليا كنظام المساهمة المحددة). في مثل هذه البيئة، تتآكل حقوق العمال والمستفيدين من المعاشات التقاعدية نوعا ما، ويكون للقائمين على نظام التقاعد صلاحية خفض الفوائد للحفاظ على الاستدامة.

وعندما تكون حقوق المعاشات التقاعدية قوية (مثل الولايات المتحدة وسويسرا وفرنسا، وإيطاليا وأيسلندا)، ولا يمكن خفض المزايا حتى الآن، فإن القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية تأخذ في التدهور وتزيد الأعباء المالية على المتكفل بنظام التقاعد (أي الحكومة)، إذ أن الموارد الحالية ستدفع للمتقاعدين الحاليين لأن نظام التقاعد قد تحول عبر السنين من ممول غالبا إلى ممول جزئيا.

عجوزات التقاعد تكون كبيرة وتصل عادة إلى ربع وأحيانا إلى نصف أو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي للدول، لذا فإن تمويلها عملية صعبة ولا تتأتى لكثير من الدول. العديد من الدول التي أخذت المبادرة لتصحيح أوضاعها كان من خلال الانتقال من نظام المزايا المحددة إلى نظام المساهمة المحددة. عملية الإنتقال هذه عبارة عن الإختيار بين إنفاق الموارد الموجودة على المتقاعدين الحالين والإضرار بالجيل القادم، مقابل خلق شيء جديد ومستدام للمستقبل. وقد يكون هذا الشيء هو نظام المساهمة المحددة وبمزايا مضمونة لكنها في سن أكبر بكثير.