”الجزء 2 من سلسلة مقالات “الإقتصاد الشخصي

ابراهيم خليل ابراهيم

باحث في شؤون التقاعد، رئيس مؤتمر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا السنوي للتقاعد

مطلوب من جهات التخطيط الإقتصادي – وزارة المالية والإقتصاد الوطني ومجلس التنمية الإقتصادية – إعطاء دور أكبر للإدخار في رسم الإقتصاد الكلي للبلاد

مطلوب تطوير إطار وطني لتحسين الثقافة المالية يشترك فيه المصرف المركزي والبورصة ووزارة التربية وجامعة البحرين ومعهد الدراسات المصرفية

 

 

 

بقلم: إبراهيم خليل إبراهيم*

في العدد السابق من هذه السلسلة، أشرنا إلى إن الادخار غير الكافي على المستوى الوطني هو أمر خطير بالنسبة للأمن الإقتصادي. وذكرنا أنه من أجل خلق والمحافظة على نمو إقتصادي بمستويات صحية، فإنك تحتاج إلى ضخ إستثمارات بنسبة لا تقل عن 20% سنويا من قيمة إجمالي ناتجك المحلي.

 وعندما تسارع الشركات إلى تخفيض نفقاتها لاسيما في أوقات الركود والأزمات، ولأنه من غير المرجح أن توجد الحكومة فائضا ماليا لسنوات عديدة قادمة، فلا يتبقى أمامنا إلا المدخرات المحلية والإستثمار الأجنبي المباشر لتحقيق ذلك. ولأن الأخير لا يتأتى بسهولة وبإستمرار وبالقدر الكافي الذي يلبي إحتياجات النمو المستمرة، لذا تبرز المدخرات المحلية كالخيار الأكبر والأهم في دفع وتحريك الإقتصاد الوطني. ولأنه منوط به هذا الدور الحيوي الكبير في الوضع الإقتصادي والمعيشي للبلاد، أكدنا أن الإدخار يجب ألا يبقى سلوكا فرديا على الهامش، بل أولوية وطنية كبرى، وأحد أهم العناصر في المعادلة أو السياسة الإقتصادية التي تديرها الحكومة.

بناء على ما سبق، ننتقل للمحور الثاني وهو: إذا كان الإدخار وحجمه أولوية في تحريك الإقتصاد الوطني، يا ترى من هي المؤسسة الرسمية التي ترسمه وتعنى به؟

ولنفصل هذا السؤال أكثر، نقول ما الذي فعلته دول مجلس التعاون الخليجي حيال تنمية المدخرات الوطنية؟ ما هي المؤسسة التي أنيطت بها هذه المسؤلية؟ هل السياسة المالية والإقتصادية الحالية لدولنا تشمل موضوع المدخرات الوطنية، وهل تعول عليها؟ وهل هناك أهداف محددة وواضحة حول الإدخار ومستوياته يتم إعلانها وشرحها للمواطنين؟ من المؤكد أنه في حال كانت معظم الإجابات هنا بالنفي، فإننا أضعنا فرصا كثيرة، قد تدفع إقتصاداتنا الوطنية ثمنها لسنين عديدة. هذه الفرص المشار إليها تتعلق بخلق رساميل مناسبة لتمويل التنمية الإقتصادية والإستثمار في توسيع الإقتصاد وكذلك جعل الأسر الخليجية أكثر ملاءة مالية وأمننا للمستقبل.

نحن نتفهم أن الإقتصاد الخليجي يمتاز بكونه إقتصاد ريعي في مجمله، إعتمد على مداخيل النفط المرتفعة طيلة 40 عاما الماضية، حيث تقوم الحكومة بالإنفاق على مجمل المرافق والخدمات الأساسية والإجتماعية وتقوم بإعادة توزيع الثروة الوطنية على مواطنيها بطرق مباشرة وغير مباشرة. أما الآن والعالم يعيش بداية أفول العصر الذهبي للنفط، فنحن جميعا أمام تحديات غير مسبوقة كما صرحت بعض حكومات المنطقة، ونحتاج إلى ديناميكيات وروافد جديدة نبني عليها إقتصاداتنا.

وللإجابة على سؤال هذا المقال: من هي المؤسسة التي تعنى بشأن الإدخار الوطني وثقافته وتشريعاته وأدواته، نقول إن هناك أدوارا ومستويات مختلفة من المسؤلية تتوزع فيما بين الدوائر الحكومية المعنية. ولتقريب الصورة أكثر، دعونا نأخذ هذه القصة كسيناريو توضيحي ليس إلا:

هناك رجل معيل يذهب دوما للبحر لصيد الأسماك من أجل الكد والإنفاق على عياله، وكان حاله في كل السنوات الفائتة موفقا ومستورا تقريبا. مع مرور الايام وحسب همة هذا الرجل وحكمته وبعد مقاصده، قد يفكر في تغييرات وخطوات بشأن تحسين وضعه وتأمين مستقبل عائلته.

المستوى الأول من تفكيره: أن إبنه الأكبر شاب يافع وهو جالس في البيت، فلماذا لا يصطحبه للبحر ليأنس بوجوده معه ويعينه على بعض الحاجات وليرى هذا الشاب كيف تجابه الحياة من أجل كسب الرزق.

المستوى الثاني من التفكير هو: بعد أن بدأ الشاب بصحبة أبيه للصيد دوما، أخذ الأب يتسآئل: هل أن إبني هذا يجيد السباحة أم لا؟ وإذا كان لا يجيد السباحة فيباشر تعليمه فورا، لأنه يتواجد دائما في البحر ويعول على البحر في رزقه، وهو محفوف دوما بالأخطار والعواصف، وبالتالي فإن الإبن قطعا يحتاج إلى مهارة السباحة كي ينجو بنفسه في الأزمات والحوادث التي بلا شك سيتعرض لها أثناء مسيرته مع البحر.

المستوى الثالث من التفكير هو: بما أن إبني شاب وموجود معي على أية حال في قارب الصيد الذي يسعنا نحن الإثنين وزيادة، لماذا لا أعلمه الصيد بحيث يقف هو بشباك الصيد على جانب من القارب، وأقف أنا بشبكي على الجانب الآخر، وهكذا نعود يوميا من البحر بغلة صيد مضاعفة ويكون دخلنا أعلى بكثير ونبني لعائلتنا رأسمال جيد يكون ذخرا لنا للمستقبل.

المستوى الرابع من التفكيرهو: بما أن إبني قد صحبني في الصيد لبضع سنين وقد أتقن المهنة ويحسن التعامل مع البحر ومواقعه وتقلباته، فلماذا لا أشتري له قارب صيد خاصا به بحيث أذهب أنا إلى منطقتي المعتادة لإصطياد سمك الشعري والهامور (مثلا)، في حين يركز إبني على مناطق سمك الصافي والروبيان المطلوبة كثيرا وذات العوائد المجزية؟ وبذلك، فقد حققت لإبني مساحة واسعة من الإستقلال المالي وفي الوقت نفسه خلقنا تنوعا وتوازنا ضمن الدخل الإجمالي للعائلة. فمن ناحية، أصبح لدينا قاربان بدل قارب واحد (أي سعة تشغيلية أكبر)، ومن ناحية أخرى، إذا ما قل توافر الأسماك في منطقة ما في فترة ما، فإن القارب الآخر الذي يصطاد في منطقة أخرى سوف يعوضه، وهكذا خلق الرجل بحكمته ورؤيته دخلا أكبر  بإستدامة أكثر نسبيا له ولمستقبل عائلته.

ربما ظل الرجل الذي أوردناه في القصة على حاله دون التفكير في المستوى الأول اصلا، وربما توقف عند المستوى الثالث! وربما نجح وتعدى المستوى الرابع ليؤسس لعائلته شركة لصيد الأسماك وتصديرها للخارج! كل ذلك يعتمد على همته وبصيرته في إمكاناته ومستويات النجاح التي يتطلع إلى تحقيقها.

إن التفكير الإقتصادي والسياسات الإقتصادية التي ترسمها الدول مع شعوبها، خاصة من حيث المشاركة الشعبية والمساهمة الفعلية وتبادل الأدوار في الإقتصاد الوطني وكذلك النتائج التي يتوصل إليها، تشبه إلى حد كبير هذا السيناريو الذي ضربناه للتو. وربما كان صعبا أن نباشر في شرح أهمية الإدخار الأسري والإدخار الوطني في دفع وتحريك الإقتصاد، ومن المسؤل عن تلك العملية، دون أن نضرب ذلك المثل لخلق الصورة الذهنية التي تتركب منها تلك المفاهيم.

وكي نبقى ضمن المثال الذي ضربناه، دعونا الآن نجيب على السؤال بإيجاز بالقول أن هناك ثلاثة مستويات من المسؤلية والمبادرة على الأقل فيما يتعلق بإدارة ثقافة الإدخار ضمن الإقتصاد الوطني:

المستوى الأول وهو الجوهري: إيجاد رؤية جديدة تعطي للإدخار وظيفة بارزة في تشغيل وتنمية الإقتصاد الوطني. يقول المثل الإنجليزي الدارج “إن عدم التخطيط هو بمثابة التخطيط للفشل”. لاشك أن القائمين على الإقتصاد يدركون أن الإقتصاد الخليجي الذي كان يعتمد على إيرادات النفط بنسبة 90% من إنفاقه قد لا يستطيع توفير أكثر من 50% من إحتياجات الإنفاق في السنوات العشر القادمة. إذن نحن حقيقة بصدد مهمة بناء إقتصاد جديد أكثر تنوعا من حيث الإيرادات والإستثمار وأقل إعتمادا على النفط على المدى المتوسط.

الفوائد الاقتصادية لارتفاع مدخرات الأفراد أثبتت جدواها في كثير من البلدان، ولا ريب في أنها تفيد الإقتصاد الوطني وتنفع الأفراد أنفسهم. لذلك يجب أن تكون جزأ لا يتجزأ من السياسة الإقتصادية للدولة. كما أن بقاء الادخار بمستويات ضئيلة هو قضية حرجة. فمع خفض الشركات لنفقاتها الحالية وصعوبة توفير الحكومة لأية فوائض مالية لسنين عديدة قادمة، فإن الجزء الأكبر من تمويل الإستثمار المستقبلي يجب أن يأتي من المدخرات الوطنية. وبخلاف ذلك، فإننا إما نضع الإقتصاد على نمو بطيء المسار، أو جيد لكنه ممول بإستثمار أو دين خارجي متزايد باستمرار. لذلك ينبغي هندسة المستويات المعقولة الملائمة إقتصاديا والمقدور عليها من قبل الأفراد من خلال نماذج مالية معتمدة يتم مراجعتها دوريا.

يجب أن يرى القائمون على السياسة الإقتصادية للبلاد، لاسيما وزارة المالية والإقتصاد الوطني وكذلك مجلس التنمية الإقتصادية، أن زيادة الإدخار تعزز الأمن الاقتصادي للبلاد والإزدهار المالي للمواطنين وتجعله أقل إعتمادا على رأس المال الأجنبي على المدى الطويل. وضمن المفهوم نفسه، يجب أن ينظر إلى تحسين الملاءة المالية للمواطنين والأسر المحلية على أنه بمثابة تحسين الملاءة المالية للدولة نفسها. لذا ينبغي الدفع بتطوير التشريعات والقوانين المتعلقة بالإدخار ضمن الرؤية الإقتصادية الجديدة، والتفكير في تصميم وترويج حوافز الإدخار، وتسهيله خاصة من خلال الاقتطاع من الرواتب الشهرية التي أثبتت على أنها أفضل طريقة تلقائية ومنتظمة ويسهل إدارتها.

المستوى الثاني: تطوير قطاع الخدمات المالية بمزيد من المؤسسات والصناديق والمنتجات التي تلائم الإدخار طويل المدى كي تستوعب التدفقات الإدخارية الجديدة (وسوف نتعرض له بالتفصيل في الجزء 4 من هذه السلسلة). إذا بدأ الناس في سلوك الإدخار المحفز حكوميا وبدأت رؤوس الأموال في النمو والتراكم فلا بد لها من أوعية وحلول مالية مناسبة تستوعبها، ففي نهاية المطاف إدارة المدخرات والأموال صناعة عميقة لا تتوقف عند البنوك التجارية وحدها بل تشمل أيضا شركات إدارة الأصول والصناديق الإستثمارية والبنوك الوظيفية المتخصصة مثل التنمية الزراعية والتنمية الصناعية ومشاريع البنية التحية التي بالإمكان هيكلتها بالتدريج محليا أو بالتعاون مع الأشقاء في مجلس التعاون. من الصعب التصور بأننا سوف ننجح ونزدهر من خلال إعادة نفس التفكير والإستمرار بنفس الإجراءات التي أتبعناها طيلة العقود الماضية والتي أوصلتنا إلى ما نحن عليه. لابد أن نبدأ الآن بتأسيس هذه الدعامات كي تكون فاعلة وذات دور قوي في الإقتصاد خلال العشرين القادمة.

المستوى الثالث: تأسيس إطار وطني لخلق الثقافة المالية ونشرها في المجتمع المحلي ودمجها في المناهج التعليمية كواحدة من مهارات الحياة الرئيسية.

لاشك في أن المعرفة قوة، وأن الإدخار سلوك قابل للتشكل إجتماعيا، حيث يتعلمه الأولاد من مراقبة سلوك أبائهم ومن هم حولهم. لذلك فإن حملات التوعية والثقيف تكون فعالة في خلق عادة الإدخار أو حتى في زيادة معدلاته. لكن الثقافة المالية هي أوسع من عملية الإدخار فحسب. فالبنوك مسلحة بمدراء إستثمار وتسويق لديهم الحافز دائمًا لجعل من السهل جدًا علينا الإشتراك في بطاقات ائتمان إضافية، والحصول على قرض سيارة آخر وزيادة قروضنا حتى خارج حدود إمكانياتنا المالية .

لذا، أدركت العديد من الدول الكبرى، في أعقاب الأزمة المالية الأخيرة، بشكل متزايد أهمية محو الأمية المالية، وأن الثقافة المالية هي مهارة حياة غاية في الأهمية وذلك للحد من التكاليف الضمنية والآثار السلبية التي تخلفها الأزمات المالية على معيشة الناس. ويعود السبب كما هو واضح  إلى أن المشهد المالي أصبح كثير التعقيد ويشتمل على مجموعة واسعة من المخاطر (المالية) على المستهلكين والمستثمرين النشطين، مقابل طاقة إستيعابية محدودة لدوائر حماية المستهلكين بالهيئات التنظيمية. وهكذا أصبح التعليم المالي مكملاً هامًا وأولوية طويلة المدى لأداء السوق وتنظيمه الجيد وتحسين السلوكيات المالية للأفراد.

منذ ذلك الوقت في 2012 وحتى العام 2018 أجرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ثلاث دراسات مسحية على فئات عمرية مختلفة شملت من 14 إلى 20 دولة حول مستويات معرفتهم المالية. وأوضحت النتائج أنه من بين ثمانية أسئلة، لا يوجد بلد واحد لديه أكثر من 70٪ من سكانه يجيبون بإجابة صحيحة على ستة أسئلة على الأقل، وأن 1 من بين كل 4 أفراد في هذه الدول لا يجيد إجراء معاملة مالية يومية بسيطة. ووجدت دراسة منفصلة أجرتها المنظمة أنه على الرغم من أن 96٪ من السكان البالغين في المملكة العربية السعودية يمكنهم القراءة والكتابة، فإن 62٪ فقط هم “متعلمين مالياً”.

وبعبارة أخرى، فإن 38 من أصل 100 شخص بالغ في السعودية لم يستوفوا بعد المهارات والمعرفة اللازمة لفهم كيفية عمل المال. ومع إحتمال أن يصل متوسط ​​العمر المتوقع 90 عامًا بحلول عام 2050، فإن ضمان أن يكون لدى الشباب اليوم نهج مدروس في التخطيط المالي والثقافة الإستثمارية أمر بالغ الأهمية.

وقد أدى هذا الاتجاه إلى تطوير بعض مبادرات التعليم المالي من قبل بعض الحكومات والهيئات التنظيمية، إلا أنها لازالت قليلة جدا ومتأخرة على الصعيد العالمي.

وهناك مبادرات فردية مشكورة  في بعض دول الخليج بدأت في السنوات الست الأخيرة، لكن أقدمها هي مسابقة “تريد كويست” الإستثمارية التي تنظمها بورصة البحرين بنجاح وشعبية كبيرة بين مدارس البحرين الثانوية والجامعات سنويا، لكنها لا تغطي سوى عشرات من طلبة وطالبات مملكة البحرين.

إذن نحن أمام حاجة إلى استراتيجية وطنية وإطار وطني للتثقيف المالي، بنهج منسق ومدار على مستوى مملكة البحرين. يهدف هذا الإطار إلى تثقيف المستثمرين لاسيما من عملاء التجزئة، أو الذين يفكرون في الاستثمار في الأوراق المالية بأنواعها لتحقيق المستوى اللازم من المعرفة المالية لاتخاذ قرارات مستنيرة. كما يهدف أيضا إلى تزويد المؤسسات التعليمية بالأدوات والمحتوي العلمي الذي يساعد على تنفيذ مبادرات تثقيف المدخرين والمستثمرين.

ويركز هذا الإطار بشكل رئيسي على: المبادئ الأساسية للاستثمار، الخصائص الرئيسية لمنتجات الإستثمار، شراء وبيع المنتجات الإستثمارية، مراقبة أداء الإستثمار، حقوق ومسؤليات المستثمر، التحيزات السلوكية النفسية المتعلقة بالإستثمار، وتجنب الوقوع في الإحتيال والنصب الإستثماري. وقد توكل مهمة الإشراف على هذا الإطار الوطني لوزارة التربية والتعليم أو معهد البحرين للدراسات المصرفية، لكن اللجنة القائمة عليه يجب أن تتألف من أخصائيين من مصرف البحرين المركزي وبورصة البحرين ومعهد البحرين للدراسات المصرفية ووزارة التربية وجامعة البحرين.