إضاءات على أزمة صناديق التقاعد في البحرين – 1

ابراهيم خليل ابراهيم

باحث في شؤون التقاعد، رئيس مؤتمر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا السنوي للتقاعد

أين ذهبت أموال هذه الصناديق التي ساهم فيها مئات ألوف الموظفين طيلة 44 عاما؟

ماهي الخطوات المطلوبة وما هي الخيارات المتاحة أمام الحكومة والهيئة العامة للتأمين الإجتماعي في المنظور القريب؟

بقلم : إبراهيم خليل إبراهيم *
شكلت التصريحات الشجاعة والمسؤلة لمعالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة، وزير المالية والإقتصاد الوطني، تحت قبة البرلمان خلال الشهر الجاري، بخصوص الوضع الراهن لصناديق التقاعد التابعة للهيئة العامة للتأمين الإجتماعي، صدمة لعامة البحرينيين، وعلى الخصوص للمتقاعدين وكذلك الذين ينوون التقاعد قريبا، بسبب حجم العجز الهائل والمخيف في موازنات تمويل هذه الصناديق.
الأمر الذي إعتبره كثيرون في وسائل التواصل الإجتماعي أنه مجرد فزاعة لتخويف الناس والسلطة التشريعية، من أجل تهيئة الرأي العام ومن ثم فرض تغييرات كبيرة تمس مزايا التقاعد الحالية وكذلك نسبة المساهمات التي تقتطع شهريا لهذه الصناديق، متيقنين بإستحالة إفلاس هذه الصناديق التي يسهم فيها عشرات بل مئات ألوف الموظفين منذ سنين طويلة في البلاد.
وقد وصفت تصريحات معالي الوزير بالشجاعة والمسؤلة، لأنه لم يخرج علينا وزير أو مسؤول رفيع المستوى عن هذه الصناديق منذ أكثر من عقدين من الزمن ليتحدث على الملأ بأرقام دقيقة عن حجم هذا العجز وحدته وأخطاره المستقبلية بشكل منفتح كما فعل هذا الوزير، إذ عادة ما تكون هذه المؤشرات الكلية لملائة صناديق التقاعد تنضوي على معلومات حساسة لا تنشر للرأي العام ولا تتعدى كبار المدراء في هيئات التقاعد في منطقتنا العربية.
وإنطلاقا من إهتمامي المهني بصناعة التقاعد وشؤونها على المستوى الدولي، فقد تحدثت في منتصف العام الماضي في نفس هذه الجريدة في مقابلتين مسهبتين عن “ازمة التقاعد في البحرين… في سياقها الإقليمي والدولي” وذلك عندما بادرت الهيئة العامة للتأمين الإجتماعي لتغيير بعض مواد قانوني التقاعد (قانون رقم 13 لسنة 1975 المتعلق بتنظيم معاشات ومكافآت التقاعد لموظفي الحكومة، وقانون رقم 24 لسنة 1976 المعروف بقانون التأمين الإجتماعي المتعلق بالقطاع الخاص) عبر السلطة التشريعية، مما يتيح لها إدخال بعض التعديلات على تلك القوانين بهدف تحسين إستدامة أنظمة التقاعد القائمة.
وقد شرحت في تلك المقابلتين خلفية هذه الأزمة وأسبابها، مشددا على أنها في المجمل ليست أزمة محلية فقط بل هي أزمة دولية أيضا تتعلق بتصميم وطريقة عمل صناديق التقاعد ذات المزايا المحددة، ويمكن الإطلاع عليهما بالكامل من خلال هذين الرابطين :

http://delmonpost.com/?p=10937

https://delmonpost.com/?p=11074


واللتين لا تزالان مفيدتان للوقوف على أسباب أزمة صناديق التقاعد في البحرين.
وقد أشار وزير المالية والإقتصاد الوطني إلى نفاذ أموال صندوق التقاعد الحكومي في سنة 2028 وصندوق التقاعد الخاص في سنة 2034 وذلك حسب آخر التقارير الإكتوارية التي أعدها مستشارو الهيئة العامة للتأمين الإجتماعي.
مبينا أن تقرير الخبير الاكتواري بشأن مراجعة أوضاع الصناديق حتى نهاية العام الماضي، أوضح أن الالتزامات المالية على الصندوقين تزيد على صافي الموجودات بحوالي 14.393 مليار دينار، إذ إن الالتزامات المالية على القطاع العام بلغت 9.201 مليار دينار، في حين أن موجوداته لا تتعدى 1.075 مليار دينار، ما يعني وجود عجز يبلغ 8.127 مليار دينار(أي بنسبة تصل إلى 88%) في تمويل صندوق تقاعد القطاع العام. كما بلغت الإلتزامات المالية على القطاع الخاص 8.118 مليار دينار في حين أن موجوداته لا تتعدى 1.851 مليار دينار، ما يعني وجود عجز يبلغ 6.267 مليار دينار (أي بنسبة تصل إلى 77%) في تمويل صندوق تقاعد القطاع الخاص.
واليوم، وبمناسبة تصريح الوزير وتداعياته، أعود مجددا لنشر سلسلة من ثلاثة مقالات (بعد هذه المقدمة) في نفس هذه الجريدة بعنوان “إضاءات على أزمة صناديق التقاعد في البحرين”. وسوف تجيب هذه المقالات على هذه الاسئلة الثلاثة:
أولا، هل أن العجز المذكور في هذه الصناديق حقيقي، أم مجرد للتهويل وتهيئة الأجواء من أجل أن تتقبل الناس تمرير حزمة من التغييرات القادمة؟
ثانيا، إذا كان هناك بالفعل عجز كبير بهذا القدر، فأين ذهبت أموال هذه الصناديق التي ساهم فيها مئات ألوف الموظفين طيلة 44 عاما؟
ثالثا، ماذا بعد؟ الآن بعد كشف الوزير للأرقام وإعلانه عن أزمة عجوزات التمويل بمستويات غير متوقعة لدى الكثيرين….. ماهي الخطوات المطلوبة، وما هي الخيارات المتاحة أمام الحكومة والهيئة العامة للتأمين الإجتماعي في المنظور القريب؟

نتظروا الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة إبتداءا من مطلع الإسبوع القادم.