صناديق التقاعد قنبلة موقوتة في الموازنات الوطنية وجائحة كورونا تجعلها تدق بشكل أسرع

ابراهيم خليل ابراهيم

باحث في شؤون التقاعد، رئيس مؤتمر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا السنوي للتقاعد

الجائحة تسبب في انخفاض أصول صناديق المعاشات التقاعدية بنسبة 15.2 في المائة في الربع الأول من عام 2020 في بريطانيا

 

محللون : أن تخفيضات مزايا التقاعد قد تكون حتمية في ضوء العجز الهائل والمتزايد وقد لا تذهب إقتراحات وتعديلات مزايا التقاعد إلى الناخبين للتصويت أو المحاكم

 

الدول أحيانا لا تريد تقليل منافع التقاعد لكن لا يكون لديها أي خيار آخر أمام ظروف مالية وضغوط دولية صعبة

 

بقلم: إبراهيم خليل إبراهيم

جائحة كورونا هي العاصفة الرابعة التي تعصف بالأصول المالية لصناديق التقاعد حول العالم خلال العشرين سنة الأخيرة، وهذه الصناديق هي من أكثر الأطراف تضررا جراء الوباء الحالي التي يعصف بالدول والإقتصادات والشركات والوظائف والحياة الإجتماعية للعوائل والأفراد.

 لكن قليلا من الناس والإختصاصيين من يلتفت إلى الأثار السلبية التي تخلفها أزمة بهذا الحجم على صناديق التقاعد الحكومية. وقد يعود البعض منا، بعد هدوء العاصفة، للتساؤل مجددا بعد فترة وجيزة – لماذا هذا العجز في صناديق التقاعد، وأين ذهبت أموال الناس المشاركين فيها؟

— ما هو حجم الضرر الذي خلفته كورونا؟

نشرنا في هذه الجريدة قبيل مطلع العام الجاري سلسلة مقالات بعنوان “إضاءات على أزمة صناديق التقاعد في البحرين”، وفي العدد الثالث منها الذي يجيب على سؤال “أين ذهبت أموال صناديق التقاعد التي ساهم فيها ألوف الموظفين طيلة 44 عام؟” أشرنا بالقول إلى أن أنظمة التقاعد عالميا تعرضت لعواصف متتالية تمثلت في إنخفاض حاد في عوائد الأسهم في العام 2001 تلاه إنخفاض  مماثل في عوائد السندات في العام 2002. ولهذه الأسباب إنخفض تمويل الصناديق التي تديرها أكبر 1500 شركة في العالم لتقاعد موظفيها من مستوى 122% في العام 1999 إلى مستوى 76% في العام 2002 (أي في غضون ثلاث سنوات فقط).

ثم تدهور أكبر لعوائد السندات جراء الأزمة المالية للعام 2008 وبدء التخفيف الكمي. والتي نسفت، حسب تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ما قدره 5.4 تريليون دولار (أكثر من 20٪ من ميزانية الصناديق) في نهاية عام 2008. وبينما انتعشت الأسواق جزئيا خلال في عام 2009، إلا أن مستويات تمويل صناديق التقاعد ذات المزايا المحددة لاتزال منخفضة للغاية في بعض البلدان.

وخلال عاصفة كورونا الحالية، أظهرت بيانات لوزارة الخزانة البريطانية تشير إلى أن تأثير جائحة الفيروسات التاجية على أسواق الأسهم العالمية قد تسبب في انخفاض أصول صناديق المعاشات التقاعدية بنسبة 15.2 في المائة في الربع الأول من عام 2020، وهو أسوأ أداء ربع سنوي مسجل تاريخيا، حيث أنه قضى بالفعل على جميع المكاسب الكبيرة التي حققتها الصناديق وأسواق رأس المال عموما في جميع الفصول الأربعة للعام 2019.

فقد تأثرت صناديق الإستثمار المصممة للتقاعد، والتي يدير الجزء الأكبر منها شركات التأمين في السوق البريطانية، حسب إختلاف أنواع الأصول المستثمر فيها. وكانت أكبر الصناديق خسارة هي تلك التي تستثمر في أسهم الشركات الصغيرة في المملكة المتحدة (-31 في المائة)، يليها الصناديق التي تستثمر في أسهم جميع الشركات في المملكة المتحدة (-29.8 في المائة) ثم الصناديق التي تستثمر في دخل الأسهم (dividends funds) في المملكة المتحدة والتي كانت خسارتها (-28.4 في المائة).

ومن مجموع تلك الصناديق، لم ينجح سوى 11% فقط في تجنب الخسائر للربع الأول من العام الحالي حيث كانت تضع الغالبية العظمى من أصولها في أدوات الدخل الثابت (السندات) الوطنية والعالمية عالية الجودة.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، قدرت وكالة موديز أن صناديق التقاعد الحكومية والمحلية خسرت تريليون دولار في عمليات البيع في السوق التي بدأت في فبراير الماضي. وأشارت إلى صعوبة تحديد الضرر الدقيق، لأن الأزمة لاتزال مستمرة وأن صناديق التقاعد لا تصدر تقارير ربع سنوية، مبينة أنه لن نرى بيانات حقيقية عن انهيار السوق عالميا إلا في نهاية العام الحالي.

ويتفق معها في ذلك وكالة ستاندرد آند بورز التي ذكرت أن صناديق التقاعد الحكومية سوف تدخل فترة من الضغوط المالية، ومن المتوقع أن تشعر الحكومات لسنوات عديدة بارتفاع التزامات المعاشات التقاعدية الناجمة عن الركود المفاجئ الناجم عن الوباء، مشيرة إلى أن هذه الصناديق تحتاج إلى تصحيح (market rebound) بشكل حاد خلال الربع الثاني للحفاظ على متوسط ​​نسبة التمويل التي كانت عليه العام الماضي.

في  النظم المحاسبية لصناديق التقاعد، يتم دمج عوائد السوق في نموذج التمويل وبالتالي تشكل جزءًا كبيرًا من التدفقات المالية لهذه الصناديق. وإذا بقيت عوائد السوق دون المستويات السابقة، فإن تأثير العوائد الضعيفة سيؤدي إلى زيادة العجوزات الحالية، ما لم يتم تلاحقها بزيادة نسبة الإشتراكات أو إعادة رسملتها من قبل الحكومات.

ويتمثل القلق المباشر لصناديق التقاعد عادة في مستويات السيولة لديهم، حيث أن وضع السيولة الجيدة يخفف الصدمات على المدى القريب. وفي حال عدم وجود ما يكفي من النقد، فإن القائمين على الصندوق قد يضطرون لبيع أصول مهمة وحيوية من حيث العوائد في أوقات غير مناسبة.

وقد أشرنا أعلاه إلى التأثير السلبي الذي أحدثه وباء كورونا على صناديق التقاعد والذي خفض قيمة أصولها في الربع الأول فقط بحوالي 15% وهي بالمناسبة خسارة جسيمة، خاصة إذا ما تذكرنا أن حجم العجز الراهن لتلك الصناديق، بما فيها صناديقنا المحلية، هو أشبه بالشريط المطاطي الممدود للغاية، وأن أي مزيد من الشد عليه قد يعرضه للإنقطاع.

لكن تلك النسبة على جسامتها تخص فقط الإنخفاض المباشر في قيمة الأصول المالية للصنايدق، ولم تحسب بعد الآثار السلبية المصاحبة للتراجع الاقتصادي، والتي من شأنها أن تعمل على تقصير قدرة صناديق التقاعد على دفع أصحاب الشركات أو دافعي الضرائب للحصول على مساهمات أكبر، أو حتى قدرة الحكومات على ضخ مزيد من الأموال في صناديق التقاعد.

يجب أن لا ننسى أن ملايين الأشخاص حول العالم تقدموا للحصول على إعانات التعطل، وسوف يشهد العالم المزيد من حالات التسريح من العمل، إذ يبدو أن ذلك أمر لا مفر منه. كما تخسر آلاف الشركات التي تدفع الضرائب عائدات بسبب العمليات المتوقفة، وقد يضطر بعضها إلى الإغلاق بشكل دائم، مما سوف يزيد من أفواج المحالين على التقاعد. وكل هذه القضايا تمثل فعلا ضربات قصيرة المدى لآفاق النمو الاقتصادي. ولكن على المدى الطويل، قد نشهد تغييرات جوهرية، سواء كان ذلك في سفر وتنقل الأشخاص، أو في طريقة إنفاقنا واستهلاكنا، أو أسعار العقارات أو أسعار الفائدة، وجميع هذه التوقعات السلبية التي ذكرناها هي الأخرى سوف تؤثر على العوائد المحتملة لصناديق التقاعد في السنوات المقبلة، إذ أن معظم هذه الصناديق تستثمر بطريقة أو بأخرى في كبرى الشركات وتعتمد على نمو عوائدها الإقتصادية.

— هل كان بالإمكان تفادي آثار هذه العواصف ؟

كلاسيكيا ومن الناحية الرياضية، تم تصميم صناديق التقاعد للإستثمار في أدوات مالية آمنة متحفظة مثل السندات والودائع الثابتة وصناديق الإستثمار العقاري عالية الجودة. إلا أن العجز المزمن والمقلق في صناديق التقاعد، لاسيما ذات المزايا المحددة كالتي تعمل وفقها صناديق التقاعد الحكومية، يدفع القائمين عليها للبحث في أدوات ذات عوائد أكبر كالأسهم العامة والخاصة وصناديق التحوط وغيرها، بما يمكنهم من تجسير الفجوة الإكتوارية أو على الأقل تضييقها بين الموجودات والإلتزامات. إضافة لذلك، فإن الإستثمار في الأصول عالية العوائد يساعد أيضا من الناحية الفنية في تقليل العجز المحتسب أوالمتوقع على هذه الصناديق من قبل شركات التدقيق المحاسبي، إذ تكون المكاسب المحتملة عادة أكبر حسابيا وبالتالي يكون العجز المسجل بنسبة أقل، الأمر الذي يليق للسياسيين الذين لا يودون رؤية تقارير عن عجوزات تمويل مخيفة في صناديق التقاعد وبالتالي مجابهة تحديات كبيرة على موازناتهم العامة.

في الولايات المتحدة على سبيل المثال، اعتبارًا من عام 2018، استثمرت صناديق التقاعد الحكومية في المتوسط ​​74 في المائة من أموالها في الأصول الخطرة، بما في ذلك الأسهم العامة والأسهم الخاصة وصناديق التحوط والسلع. وهي نسبة أعلى من 69 في المائة في عام 2010 بعد صدمة عام 2008، ومن 61 في المائة في عام 2001، عندما ثار الاقتصاديون على طريقة عمل صناديق التقاعد.

ويقول الإقتصاديون ببساطة أنه لا يمكنكم المغامرة بإمتلاك أطنان من الأسهم في محافظكم الإستثمارية عندما يكون لديكم أيضًا أطنان من المتقاعدين الذين يعتمدون عليكم في مرتباتهم الشهرية وحياتهم اليومية بشكل أساسي.

إلا أن القواعد المحاسبية التي تحكم صناديق التقاعد جعلت كل هذه المخاطر جذابة، ولا يوجد كثير من البدائل على أية حال، لأولئك المسؤولين عن تشغيلها وتمويلها، إذ أنه من الأسهل وضع الأموال في الأصول ذات المخاطر العالية والرهان على عوائد الاستثمار الوردية، بدلا من الالتزام بدفع المزيد من أموال دافعي الضرائب مقدمًا.

ويؤكد الاقتصاديون منذ سنوات أن صناديق التقاعد يجب أن تتحول إلى استثمارات أكثر أمانًا مع تقدم الأعضاء المشاركين فيها في العمر من أجل أن تكون أنظمة التأمين الإجتماعي أكثر إستقرارا وضمانا، إلا أن العجز التمويلي الهائل والمتزايد في الصناديق ذات المزايا المحددة أرغم مدرائها على خيار أخذ المزيد من المخاطر في محافظهم.

— ما هي تداعيات هذا الهبوط الحاد في تمويل الصناديق، وما هي الإتجاهات التي قد تتولد عنها؟

يشير البعض إلى أن تفشي فيروس كورونا يمكن أن يختبر الطبيعة المقدسة لصناديق التقاعد بطرق لم تفعلها حتى أزمة عام 2008، ويجبر في نهاية المطاف حكومات بعض الدول أو الحكومات المحلية للأقاليم والولايات على الانخراط في معارك معقدة، وربما لا يمكن الفوز بها لتقليل أو إبطاء نمو الفاتورة الشهرية التي تسددها للمتقاعدين وذوي المتقاعدين المتوفين.

ويمكن أن يكون للفشل في زيادة المساهمات أو تقليل المدفوعات عواقب وخيمة. يمكن لصناديق المعاشات التي تنفد منها الأموال – وهو أمر حدث سابقا في أربع مدن أمريكية – أن يدفع تلك الحكومات المحلية إلى الإفلاس. ستكون الدول في مياه مجهولة لأنه لا توجد آلية إفلاس لها، وأقرب تشابه هو قانون لمرة واحدة أقره الكونغرس لبورتوريكو، والذي نتج عنه سنوات من الإشراف الفيدرالي، وإجراءات تقشف وخفض مدفوعات الديون لحملة السندات.

وفي معظم الحالات، تجعل قوانين الدولة والأحكام الدستورية تلك المعاشات مقدسة – يجب دفعها، وليحصل بعد ذلك ما يحصل. وغالبًا ما تواجه محاولات تخفيض المنافع معارضة شديدة وتنتهي بالفشل، سواء عبر ضغوط الرأي العام والتظاهرات أو عبر التقاضي في المحاكم.

لا يوجد الكثير من الخيارات للحد من تكاليف صناديق التقاعد الحكومية، وهذه الخيارات إن وجدت فجميعها خيارات مرة على صانعي القرار. بعض البلدان و الولايات إختار إغلاق هذه الصناديق أمام الموظفين الجدد. البعض أجبر الموظفين الحاليين المغطيين بصناديق التقاعد أن يدفعوا إشتراكات أكبر، فيما تتمثل الاستراتيجية الأخرى في اللجوء إلى دافعي الضرائب – وهم ذاتهم الأشخاص والشركات الذين يواجهون الآن عمليات الإغلاق وحالات التسريح من العمل وديون القروض، إلخ.

بعض الحكومات المحلية اختارت مسار الضرائب واسعة النطاق لتمويل معاشات المتقاعدين، بما في ذلك الزيادة السنوية المركبة بنسبة 3 في المائة، وهو رقم أعلى بكثير من معدل التضخم، وضاعفت رسوم الغاز والعقارات والسجائر ومواقف السيارات ووجبات المطاعم، وحتى وافقت على كازينوهات المقامرة والماريجوانا من أجل أن تؤمن تمويل صناديق تقاعدها. وقد أدى هذا الوضع الضريبي الزائد عن الحد بعض السكان للخروج إلى ولايات ومدن أخرى.

في حال لم تستطع الحكومات زيادة الإشتراكات بسبب الأحوال الإقتصادية المتردية للشركات والمؤسسات التجارية جراء حدث وباء كورونا، أو زيادة الضرائب على المواطنين، فإن الخيار الآخر الوحيد هو تقليل المزايا التقاعدية، وهذا نهج من المؤكد أنه سيواجه مقاومة شرسة ويمكن أن يكون عديم الجدوى. وقد يتطلب تعديلات دستورية في بعض البلدان.

ويرى بعض المحللين أن تخفيضات مزايا التقاعد قد تكون حتمية في ضوء العجز الهائل والمتزايد، وقد لا تذهب إقتراحات وتعديلات مزايا التقاعد إلى الناخبين للتصويت أو المحاكم، بل كما حصل لجورج باباندريو، رئيس وزراء اليونان السابق، عندما أصبحت بلاده منبوذة ماليا في عام 2010 واضطرت إلى الحصول على قروض إنقاذ من صندوق النقد الدولي ودول أوروبية أخرى. وكانت اليونان من أكثر الدول سخاء في معاشات التقاعد بتكلفة سنوية باهظة لملايين الناس المتقاعدين، لكنها اضطرت إلى خفض الرواتب التقاعدية من أجل أن تحصل على تلك القروض. أحيانا الدول لا تريد تقليل منافع التقاعد، لكن لا يكون لديها أي خيار آخر أمام ظروف مالية وضغوط دولية صعبة!