في دراسة مسحية حديثة حول الإدخار والتخطيط للتقاعد في البحرين

ابراهيم خليل ابراهيم

باحث في شؤون التقاعد، رئيس مؤتمر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا السنوي للتقاعد

34 %  لا يدخرون أية أموال للمستقبل و36% يدخرون أحيانا وأكثر من 80% من البحرينيين يقولون ان البنوك لا تنمي مدخراتهم بشكل مرضي

 

 40 % من المواطنين يرون أن صناديق التقاعد الحكومية ليست قوية ماليا بما يكفي، ولا يمكن الإعتماد عليها للمستقبل والراتب التقاعدي والأمن التقاعدي للمستقبل مهم للغاية بالنسبة لـ 82% من البحرينيين

 

بقلم : إبراهيم خليل إبراهيم*

إستكمالا لإهتماماتنا البحثية حول الشأن التقاعدي والتخطيط المالي للأفراد، قمنا خلال الأشهر الأربعة الأخيرة بإجراء دراسة مسحية حول “الإدخار والتخطيط التقاعدي وإدارة الثروة” شارك فيها حوالي 1000 من المواطنين البحرينيين عبر منصة “Qualtrics” الأمريكية المتخصصة في إجراء الأبحاث اولاين.

وكانت الدراسة تهدف إلى التعرف على أنماط السلوك والتفكير المالي لدى البحرينيين، وتقييمهم للقيمة المقدمة من المؤسسات المالية التي يتعاملون معها، ومستوى الخدمات التي يتوقعونها، وكذلك ارآئهم في الوضع التقاعدي مستقبلا، ونقوم من خلال هذا المقال بإستعراض أهم النتائج التي تم التوصل إليها.

 

 

حسب الرسم البياني أعلاه، فان ثلث المجتمع البحريني لا يقومون بالادخار من أجل المستقبل، وأن أكثر من 35% يدخرون أحيانا فقط. قد تعكس هذه النتائج غياب ثقافة الإدخار والتخطيط المالي في مجتمعنا المحلي، او شحا في المنتجات الإدخارية السهلة والبسيطة التي تلائم الإدخار المنتظم لغالبية شرائح المجتمع، بيد أن مفهوم الإدخار الصحيح، من وجهة النظر الإقتصادية، سيما إذا كان إدخارا طويل الأمد، هو أن يحقق عوائد تفوق نسبة التضخم، وألا تترك الأموال في حسابات مصرفية باردة تتآكل قيمتها الشرائية مع مر السنين.

 

 

تؤشر هذه النتيجة إلى أن أكثر من 80% من المشاركين في الدراسة (أو الجمهور المحلي) لا يشعرون أن المصارف التي يتعاملون معها تعرف إحتياجاتهم أو أهدافهم المالية وتساعدهم على تحقيقها، أو تحقق لهم عوائد مجزية.

وفي حين أن هذه النتيجة لا تختلف كثيرا عن أراء الناس عادة في المصارف في مختلف دول العالم، إلا أنها قد تمثل منطلقا وفرصة للمصارف المحلية التي تبحث عن التميز في خدمات الزبائن وزيادة ولائهم من خلال تغيير نهج العلاقة والتواصل المستمر مع العملاء وخلق محادثات مفيدة معهم حول طرق الإخار وتحقيق الأهداف المالية.

 

 

يؤكد هذا الرسم البياني مجددا النتيجة التي ذكرناها في النقطة الأولى وهي أن شريحة كبيرة من البحرينيين ليس لديها أية تخطيط مالي لها ولعوائلها للمستقبل، وأن المنخرطين في منتجات الإدخار والإستثمار طويل الأمد هم قلة قليلة. الشيء الإيجابي في هذا الرسم التوضيحي هو أن 20% من المواطنين يقوم بتحديد خطة أو ميزانية محددة للإنفاق الشهري، وهذا مؤشر أولي ومهم على الإدارة الإقتصادية الناجحة لدخل الأسرة.

 

 

الغالبية العظمى من البحرينيين ليس لديهم تأمين على الحياة ولا يستخدمون هذه المنتجات في الإدخار طويل الأمد، على عكس الأسواق الغربية والآسيوية التي تشيع فيها هذه الأنواع من منتجات الحماية المالية. وقد يعكس ذلك عدم تعرف المجتمع المحلي على هذه المنتجات ومزاياها بشكل جيد، أو عدم قدرة شركات التأمين القائمة على ترويجها كما يجب وجعلها جذابة، أو التجربة غير الإيجابية التي تكونت لدى زبائن التأمين على الحياة ومن ثم إنتقلت تلك السمعة إلى المحيطين بهم، إذ أشار ما مجموعه 15% في الرسم أعلاه أنهم مستآؤن من التقدم الذي أحرزوه.

 

 

يبدو أن البحرينيين وبنسبة تفوق 80% يتطلعون إلى تقاعد مريح وآمن، وأن هذه النسبة الكبيرة منهم تتطلع إلى وتعتمد على وجود الراتب التقاعدي بشكل رئيسي عندما يتقاعدون في المستقبل. كما تعكس هذه النسبة ضمنيا أن الغالبية العظمى من الناس لم تبن أصول مالية كافية أو دخلا ثابتا بعد يساعدهم في الإستقلال المالي مستقبلا.

 

رغم التصريحات بالصعوبات المالية والعجوزات الكبيرة التي تعاني منها صناديق التقاعد الحكومية خلال العامين الأخيرين، إلا أن غالية البحرينيين، بنسبة تصل إلى 59%، لازالوا يرون أن صناديق التقاعد التي تديرها الحكومة قوية ماليا، ولكن 16% فقط قالوا أنه يمكن الإعتماد عليها مستقبلا لإستدامة المنافع التقاعدية.

 

 

إستكمالا للنقطة السابقة وبشكل متسق، فإن نسبة قريبة من 70% من المشاركين في الدراسة يعتقدون أن مزايا التقاعد التي تقدمها صناديق التقاعد الحكومية سوف تنخفض في السنوات العشر القادمة، إما بدرجة كبيرة أو درجة قليلة. أما الذين توقعوا أنها ستبقى على ما هي عليه أو حتى تتحسن فمجموعهم يصل إلى الثلث تقريبا.

 

 

يدرك غالبية الجمهور (بنسبة 57%) أهمية المعرفة المالية في إختيار الطريقة المثلى للإدخار والتخطيط المالي والمنتجات الإستثمارية الملائمة حسب الإحتياجات والظروف الشخصية لكل فرد، وأن عملية الإستثمار تخضع لمجموعة من المبادىء الرياضية والإقتصادية وحساب المخاطر المالية. لكنهم يؤكدون أيضا على وجود عاملي الخبرة والثقة في المستشار أو المؤسسة المالية التي ينوون التعامل معها.

 

 

يؤكد حوالي 73% من المشاركين في الدراسة الأهمية القصوى لمعرفة الصناديق والمنتجات والأغراض التي تستثمر فيها أموالهم ومدخراتهم، ربما من باب أن الشفافية تساعد في طمأنة المستثمر حول وضع أمواله وتوقعاته منها، وربما من المعتقدات الدينية والمبادىء الأخلاقية يريد الناس أن يعرفوا على وجه الضرورة أنهم لا يستثمرون أموالهم في أشياء لا تتماشى مع معتقداتهم ومبادئهم الأخلاقية. كما أن الدرس المستقاه من هذا الرسم البياني بالنسبة للعاملين في الحقل المالي والإستثماري هو ضرورة تعريف الجمهور بأنواع منتجات الإستثمار من حيث تركيبتها الإعتيادية أو المطابقة للشريعة، وأيضا من حيث القطاعات ونوعية أسهم الشركات التي تحتويها.

 

 

رغم أن هذه الدراسة المسحية قد سبقت وصول وباء كورونا للبحرين ببضعة أسابيع، إلا أن غالية المشاركين (تصل قريبا إلى 80%) في هذه الدراسة، وهم من الفئة العمرية بين 30 إلى 40 سنة، قد صرحوا بأن إمكانية الوصول إلى حساباتهم المالية عبر هاتفهم الشخصي هو أمر مهم لديهم بنسبة 100% عندما يختارون فتح حساب جديد مع مؤسسة مالية، و10% من المشاركين قالوا أن أهمية ذلك تصل إلى 75% من قرار فتح حساب مالي جديد. وهذا يعني أن الجمهور البحريني وربما الخليجي هو في الريادة (ahead of the curve) فيما يتعلق بالتحول إلى الأنشطة الرقمية وإسلوب الحياة الرقمي والإقتصاد الرقمي، ويبقى الدور والمسؤلية على الصناعية المالية بجميع قطاعاتها للإسراع في خطوات التحول الرقمي ومواكبة تطلعات زبائنهم وجمهورهم المحلي.