”الجزء 1 من سلسلة مقالات “الإقتصاد الشخصي

ابراهيم خليل ابراهيم

باحث في شؤون التقاعد، رئيس مؤتمر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا السنوي للتقاعد


ثقافة الإدخار: هل هي خيار فردي محض؟ أم أولوية وطنية كبرى؟

الأزمة الإقتصادية التي يعيشها العالم.. والحديث عن عودة الناس للإدخار في البحرين

بالإدخار خرج اليونان من محنة ديونه بإحتياطات رأسمالية أكبر

 

 

 

 

بقلم: إبراهيم خليل إبراهيم *

في الإسبوع الماضي، نظمت جريدة الوطن حوارا حول الوضع الإقتصادي بعنوان “مالذي سيحدث للإقتصاد البحريني بعد كورونا”؟ شارك فيه الإخوة الأستاذ جمال فخرو، الشريك الإداري لـ “كي.بي.إم.جي. فخرو” والأستاذ علي المولاني، الرئيس السابق لجمعية المحللين المالين المعتمدين (CFA) فرع البحرين، وأحمد السلوم النائب بالبرلمان ووضعوا تصوراتهم للتغييرات غير المسبوقة التي سوف تفرضها أزمة كورونا على الإقتصاد البحريني والخطوات التي ينبغي إتخاذها من قبل الحكومة ومؤسسات الأعمال والأفراد لتخفيف وطئ الأزمة على الإقتصاد الوطني والوضع المعيشي للناس.

 وفي مطلع حديثه في المنتدى ضمن رؤى وإقتراحات عديدة، أكد الأستاذ جمال “أنه يجب أن نعيد فكرة الإدخار التي كانت غائبة منذ 40 عاما، حيث خلقنا مجتمعا إستهلاكيا يعيش على القروض” وهذه التوصية والتوصيف من خبير مالي بقامة الأستاذ جمال هي النقطة التي تنطلق منها “سلسلة مقالات الإقتصاد الشخصي” الأربعة التي سوف ننشرها تباعا في هذه الجريدة، والتي سوف تجيب على هذه الأسئلة الأربعة:

أولا: ثقافة الإدخار: هل هي خيار فردي محض، أم أولوية وطنية كبرى؟

ثانيا: إذا كان الإدخار وحجمه أولوية في الإقتصاد الوطني، يا ترى من هي المؤسسة الرسمية التي تعنى بذلك؟

ثالثا: من المسؤول عن تأمين وتمويل مستقبل الفرد؟  الفرد نفسه أو الدولة؟

رابعا: كيف نؤسس “إقتصاد إدخاري” وما المشاكل التي يحلها هذا النوع من الإقتصاد؟

ودعونا نبدأ المقال من حيث إنتهى الأخ جمال فخرو حيث تحدث عن “إعادة فكرة التوفير التي كانت غائبة عنا منذ 40 عاما”. لماذا منذ 40 عاما ياترى؟ في الواقع مجموعة من الأسباب المحتملة.

 أولها ويخصنا نحن أهل الخليج بشكل أكبر وهو أن إقتصادنا الذي كان ولايزال يعتمد في جزئه الأكبر على عوائد النفط، حيث شهدت اسعار النفط زيادات مضطردة خلال العقود الأربعة الماضية من 3 دولار للبرميل في بداية السبعينيات إلى 145 دولار في العام 2008، ما يعني وجود إيرادات قوية تدعم الإنفاق الحكومي والتي ربما أشعرتنا بالثراء والأمن الإقتصادي الذي لا يستدعي الإدخار.

وقد يكون غياب الإدخار لدينا هو ضمن إتجاه عالمي أكبر شهدته معظم الدول لاسيما الغنية ومتوسطة الثراء من حيث التحسن الملحوظ في المرتبات والمستوى المعيشي لشعوبها والميل للرفاهية والكماليات، حيث تدلل المؤشرات الإقتصادية إلى إنخفاض كبير في معدل الإدخار شهدته غالبية الدول منذ نهاية السبعينات، إذ هبط ذلك المعدل من فوق ال 30 بالمئة إلى أقل من 10% حاليا.

 ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، لو إستمر الحال على ما هو عليه، فسوف لن تتعدى نسبة الإدخار 3% فقط في العام 2030، مع العلم أن الناس هناك مسؤلون عن تمويل نسبة كبيرة من تقاعدهم الشخصي. السبب الثالث، أن غالبية الناس عامة لا تملك الثقافة المالية الصحيحة، سواء من حيث تحديد الإحتياجات المستقبلية والتخطيط أو تنمية الدخل الشخصي أو كيفية الإدخار الصحيح. أما الأسباب الأخرى وهي مترابطة، فتتعلق بتقدم علم التسويق الذي خلق منذ تلك الفترة تغييرات جذرية وقناعات سلوكية ونفسية لدى طبقات إجتماعية وفئات عمرية، جعل إستهلاكها لجزء كبير ومكلف من ماركات ومقتنيات ومظاهر حياتها اليومية حاجة نفسية أكبر منها كحاجات أساسية.

ولو أخذنا البنوك مثالا على ذلك، فقد رأينا أن البنوك عالميا قامت بتوظيف مدراء وأخصائي تسويق مهرة مسلحين بكل اساليب الجذب والترويج وبموازنات ضخمة لدفع وترويج القروض الإستهلاكية الشخصية بأنواعها وبطاقات الإئتمان بمستوياتها وجاذبياتها المصممة لكل طبقة من الناس، أمام مجتمعات محلية تفتقر في غالبيتها الكبرى إلى الثقافة المالية ومعرفة التكلفة الحقيقية لهذه المنتجات التجارية وعواقبها على حياتها مستقبلا.

فبسبب الكثير من الإحباطات في حياتنا، تم غسل أدمغتنا بثقافة الإستهلاك والتسوق وإقتناء الأشياء المميزة التي تولد عندنا شعورا بالتعويض والرضا.

 الأسوأ من ذلك، أنه بمرور الوقت أصبح هذا الاستهلاك المفرط جزءًا من هوياتنا، فمن خلاله نعكس من نحن وإلى أي طبقة ننتمي وما هو إسلوب حياتنا، إذ أصبحت حياتنا مغمورة بالكامل في النزعة الاستهلاكية. وعلى مدار العقد الحالي، زادت ديون المستهلكين في دول مجلس التعاون الخليجي الست عن 100 مليون دولار يوميًا.

هذا الرقم الصارخ يستبعد في بعض الأحيان الرهون العقارية. بيد أن ارتفاع معدل الدين الشخصي إلى مثل هذه المعدلات هو أمر مقلق للاقتصاد، لأن ديون الأفراد بشكل عام لا تؤدي إلى النمو الاقتصادي، بل إلى التردي المحفوف بالمخاطر. إذن، ما هو الشيء الذي يخلق النمو ويبني الإقتصاد؟ بلا تفكير ومن المؤكد أنه الجانب المعاكس للقروض الشخصي – إنها ثقافة الادخار.

ما هو الإدخار؟

يُعرَّف الادخار الأسري على أنه الفرق بين الدخل المتاح (بما في ذلك الأجور، والدخل من العقارات والإستثمارات الخاصة وغيرها إن وجدت) واستهلاكها (أي الإنفاق الأسري على السلع والخدمات). ويشمل إجمالي المدخرات الوطنية مدخرات الأسر وكذلك مدخرات الشركات والمدخرات الحكومية، ويحسب معدل الادخار الوطني للبلد كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي لها.

وتكمن أهمية الإدخار في كونه المصدر المحلي الرئيسي لتمويل مشاريع التنمية، ومحركا رئيسيا للنمو الاقتصادي على المدى الطويل. لذا فإن معدل الادخار المنخفض يحد من معدل الاستثمار في البلاد ومن معدل النمو الاقتصادي، ويجعلها تحت رحمة تدفقات رأس المال الأجنبي. ومن المعلوم أنه على المدى الطويل، فإن الناتج المحلي الإجمالي لا ينمو بسبب الطلب (أو الاستهلاك) بقدر ما ينمو من القدرة على الإنتاج والتصدير. وتتأتى القدرة على الإنتاج في المقام الأول من الاستثمار، خاصة إذا كان في الاقتصاد المحلي. الأمم التي تصرف مواطنوها وحكوماتها على هذه البصيرة، ونظروا إلى الإدخار على أنه خيار وسلوك واع ونشط وأنه من الأولويات حتى قبل الإستهلاك وليس مجرد بقايا المرتب في آخر الشهر، اكتسبوا ميزة تنافسية قوية بمرور الوقت، تجلت في ارتفاع مستويات المعيشة وخلق بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا.

وفي حين يقلق بعض التجار من أن يكون الادخار عائقا محتملا للنمو بسبب إنخفاض الاستهلاك، إلا أن السياسات التي تعزز الادخار تهدف في النهاية إلى الرخاء – وليس التقشف. الدول التي تتبنى صياغة جيدة لسياسات الادخار ستفوز بمرور الوقت، من خلال الملاءة الممتازة والاستقلال المالي لمواطنيهم. نظام التقاعد الأمريكي، على سبيل المثال، المبني على أساس خصومات من رواتب الموظفين في أماكن عملهم لعبت دورا رئيسيا في خلق أعمق وأكبر سوق رأسمال وسيولة قوية في العالم.

تعزيز الادخار يجعل البلاد أقل اعتمادًا على رأس المال الأجنبي، ويجعل الأسر أكثر أمنا والنمو الاقتصادي أكثر إستدامة على المدى الطويل. يقول الإقتصاديون المختصون في سياسات النمو أنك إذا أردت أن تبني إقتصادا قويا بحيث ينمو ناتجك المحلي بنسبة 3% إلى 4% سنويا فإنك تحتاج إلى الإستثمار في ذلك الإقتصاد سنويا بنسبة تتراواح من %20 إلى 25% من إجمالي الناتج المحلي.

 ولن تقتصر فوائد هذا النمو على توليد عوائد وثروات أسرية أكبر، لكن الاقتصاد الوطني سيكون معزولًا أيضا بشكل أفضل من صدمات رأس المال الأجنبي. كما أن تدفق رأس المال عبر الحدود (FDI) بما يتجاوز 4 إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من بضع سنوات أمر صعب للغاية. لذلك فإنه ليس بالإمكان الاعتماد دائما على الخارج والتعقيدات التي ينطوي عليها. وبالتالي، فإنه لا مناص عن التوجه لسياسة الإدخار المحلي إذا ما أردنا نموا إقتصاديا مستداما، ومن هنا تكمن قوة الادخار.

بالإضافة لذلك وبإيجاز، فإن عوائد الإستثمار يستفيد منها المواطنون المدخرون وتبقى في دائرة الإقتصاد المحلي بدل خروجها للمستثمرين الأجانب. كما أن الإدخار القوي يوفر السيولة للحكومة في حال حاجتها لبيع أدوات الدين بدل توجهها لأسواق الخارج بشروط مجحفة.

وأخيرا، فإن الإدخار القوي يقي المواطنين والإقتصاد المحلي من الأخطار المفاجئة التي تحل علينا دون سابق إنذار، مثل الإنخفاض الحاد في أسعار البترول، إنخفاض قيمة العملات، التوترات التجارية التي تعيق الأعمال والنمو والكوارث الصحية الكبرى كالتي نعيشها هذه الأيام مع أزمة كورونا.

مع كل هذه الأهمية الإستراتيجية الكبرى للإدخار، إلا أن الأرقام الصادرة من المنظمات الدولية لازالت تشير إلى أن إنفاق الأسر وديونها الإستهلاكية لا تزال أكبر من أرقام الإدخار في العديد من البلدان مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، وفلندا ونيوزيلندا. عشر سنوات مرت على الأزمة المالية العالمية، ولا تزال الإحصاءات تظهر أن نسب مدخرات الأسر بدأت في الانخفاض بشكل مطرد في جميع الاقتصادات الكبرى بعد فترة وجيزة من انتهاء أسوأ فترة ركود. بمجرد أن أحس الناس بتعافي الأسواق لاسيما في السنوات الأربع الأخيرة وشعروا بالثراء أكثر قليلاً، بدأوا بتقليل الادخار.

في أعقاب أزمة الديون السيادية الأوروبية، تم تبرير تدابير التقشف، خاصة في اليونان  (مدفوعة بألمانيا أكبر المدافعين عن سيسات الإدخار) حيث اعتبرت السياسات المالية غير السليمة نقطة ضعف لمنطقة اليورو ولم يكن بالإمكان إلا خفض الإنفاق وزيادة الإدخار.

بعد ثماني سنوات من بدء أزمة الديون، وبعد الكثير من الألم ، في 20 أغسطس 2018، خرجت اليونان رسميًا من برنامجها الثالث لإنقاذ الاقتصاد مع احتياطيات رأسمالية أعلى بكثير مما كان متوقعًا في الأصل. وحلت مكانها الآن إيطاليا التي أصبحت مع ديونها المرتفعة الأزمة المالية المرتقبة! ويبقى العلاج المقترح كما هو دائما: لا تنفق أكثر مما تكسب.

من الواضح إذن أننا بحاجة إلى مستوى أعلى من المدخرات المحلية، وليس الديون ، إذا أرادت هذه المنطقة أن تحقق إمكاناتها بدخل حقيقي أعلى ومستوى معيشة أعلى لمواطنيها. إن زيادة معدل الادخار أولوية اقتصادية مهمة لبلداننا.

 إذ يمكن لحكوماتنا أن تنظر في حزمة متكاملة ومتناسقة من السياسات الإقتصادية (تشمل شبكة الحماية الإجتماعية والإعانات ومستويات الإستمثار المطلوبة سنويا) ضمن معادلة كبرى من التخطيط الإقتصادي وخطة الموازنة الوطنية لتحفيز معدل أعلى من الادخار وبالتالي مستويات أعلى من الإستثمار والنمو الإقتصادي. كما تم تطبيقها بنجاح في العديد من الأسواق المتقدمة، فإن هذه الأفكار سوف تتطلب إلى حد كبير إدخال تغييرات على ما يلي: محفزات الإدخار والبيئة التنظيمة للقطاع المالي وإدارة الدين الحكومي ونظام جديد للإدخار التقاعدي.

وختاما نقول، إذا كان الإدخار هو المحرك الرئيسي والأكبر للإقتصاد ولنمو الأعمال المستدام وخلق الاسواق والوظائف والإنتاج والتصدير، وإذا كان حاميا للمواطنين من مخاطر الفقر وعامل تمكين للثراء والإستقلال المالي للمواطنين وحاميا لهم من الأزمات الطارئة ومخففا للإنفاق الإجتماعي الحكومي، فهل هو سلوك فردي محض يسلكه البعض وتتركه الغالبية العظمى من الناس، أم يجب أن يكون أولوية وطنية كبرى؟!