"الورقة الذهبية لإصلاح أنظمة التقاعد في العالم العربي"

إنقاذ صناديق التقاعد الحكومية من خلال حوافز إدخار المواطنين

 حان الوقت لرؤية الشركات الوطنية للتقاعد في العالم العربي

حان الآن دور الشركات في خلق قطاع تقاعدي آمن ومزدهر

جميع الدول العربية، باستثناء ثلاث منها، لديها عجز إكتواري في صناديق التقاعد يتجاوز 50٪. أما بالنسبة للبلدان الثلاثة، فقد بدأ اثنان منهم التأمين الاجتماعي في وقت متأخر نسبيًا، واضطرت الدولة الثالثة إلى إعادة رسملة صندوقها بشكل كبير في أوائل العقد الماضي. وبالمثل ، فإن هذه البلدان الثلاثة ليست محصنة ضد العجز بنسب مماثلة خلال العقدين أو الثلاثة المقبلين إذا انتهى بهم الأمر إلى فعل الشيء نفسه.

هناك شيء واحد تشترك فيه جميع الدول العربية حتى الآن بالإضافة إلى اللغة العربية، وهو اعتمادها الوحيد في ترتيباتها التقاعدية على صناديق التقاعد العامة التي تديرها الحكومات وتضمنها من خلال موازناتها السنوية. فلا يوجد في بلداننا العربية إطار مؤسسي أو بنية تحتية أو نظام تنظيمي لترتيب وتأمين الدخل التقاعدي خارج نظام هذه الصناديق. ونسبيا فإن هذه الصناديق سخية للغاية، لكنها تواجه عجزًا تمويليًا كبيرًا بشكل متزايد، مما يجعل جدواها على الأمد المتوسط والبعيد مصدر قلق متزايد. فالاختلال متزايد في التوازن بين كمية الأموال التي تدخل للصندوق وتلك الخارجة منه، ولا يرى في الأفق بأن ذلك الإختلال سوف يقل، مما دفع الاقتصاديين إلى وصف مثل هذه الصناديق بأنها قنبلة إجتماعية موقوتة.

معاشات صناديق التقاعد الحكومية ذات المزايا المحددة )والتي يصفها البعض بالتقاعد الذهبي لأنها مضمونة مدى الحياة ومربوطة بالتضخم) والتي تحتسب على أساس الراتب الأخير وسنوات العمل - ماتت كلها على الصعيد العالمي في القطاع الخاص، أو تم إصلاحها في القطاع العام في عدد كبير من البلدان حول العالم. وقد تسارع هذا الاتجاه في السنوات العشرين الماضية حيث ارتفعت تكلفة إلتزامات صناديق التقاعد بسبب تراجع عوائد الاستثمار.

 

لقد وقع الضرر

في معظم الحالات، يعد إصلاح هذه الصناديق مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة، وذلك لأن العجز في بعضها يكاد يكون مساوياً لإجمالي الناتج المحلي للبلاد، في وقت فقدت فيه عائدات النفط هالة ضمان الالتزامات الحكومية كما في الماضي. بالنسبة لبعض البلدان، يمكننا القول تقريبًا أن الضرر قد وقع بالفعل ولا يمكن تغييره.

في بعض بلداننا وحتى هذه اللحظة، يمكن للمرأة التقاعد بعد 15 عامًا والرجل بعد 20 عامًا من الخدمة، مما يسمح لهم بالعيش 40 عامًا أو أكثر في حياتهم التقاعدية الممولة من صناديق التقاعد هذه. لذلك ، فإن نصف المتقاعدين الحاليين في هذه البلدان هم في منتصف الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من العمر؛ على عكس نظرية بسمارك الألماني الذي اخترع صناديق التقاعد قبل 150 عامًا، والذي كان يشترط منذ ذلك الوقت أنه يجب على المرء أن يعمل بخدمة كاملة حتى سن 65 ثم يتأهل لمرحلة التقاعد.

وفي حين تشير التقديرات إلى أن  اجمالي التكلفة الاكتوارية العادلة لتمويل التقاعد لأي فرد تبلغ 30٪ من راتبه الحالي (كمساهمة مشتركة بين الموظف وصاحب العمل) - وتشير بعض التقديرات العالمية إلى أنها قد تبلغ 60٪ من الراتب المستحق بسبب الأوضاع الديموغرافية والاقتصادية الحالية - فإن هذه الصناديق لم تجمع طيلة عقود من الزمن سوى نصف الـ 30٪ أو أكثر بقليل؛ لذا يمكننا التنبؤ بحجم الفجوة التي قد أحدثت في هذه الصناديق من حيث العجز الاكتواري التراكمي.

بناءاً على ذلك، فإن هذه الصناديق، أو بالأحرى الحكومات التي تضمنها، تواجه الآن معضلة. الإلتزامات المالية تضخمت ولا يمكن تحملها، كما أن مسألة إعادة رسملة الصناديق صعبة للغاية بسبب اسعار النفط السائدة، والدين العام الهائل، والنفقات الاستثنائية التي أنفقتها الحكومات للتخفيف من الأزمة الاقتصادية والمعيشية الناجمة عن الوباء. كما أنهم لا يستطيعون خفض استحقاقات أو مزايا المتقاعدين بسبب التكاليف السياسية التي قد تترتب جراء هذا الخيار.

عالميا، هناك ثلاثة نماذج تمول فيها الحكومات أنظمة المعاشات التقاعدية بطريقة مستدامة: الأول هو دفع الاشتراكات (من قبل كل من رب العمل والموظف) أثناء الخدمة بالنسب الصحيحة. الثاني من خلال النظام الضريبي الوطني، والثالث أن تتحمل الحكومة هذه الالتزامات وأي عجز في هذه الصناديق من مواردها

 

الاقتصادية مثل الثروة البترولية من خلال الموازنات السنوية بما يشبه إعادة توزيع الثروة. المشكلة التي نواجهها، كما هو الحال في عدد من البلدان أيضا، هي أننا لم نحتسب نسبة المساهمة الصحيحة على مدى عقود؛ ولا يوجد لدينا نظام ضريبي، على الأقل في دول مجلس التعاون الخليجي، وعائدات النفط التي كانت تمول أكثر من 80٪ من إقتصاداتنا الوطنية لم تعد وفيرة كالسابق. ونظرًا لحساسية موضوع التقاعد، فإن كثيرا من المعلومات والأرقام والحقائق المتعلقة بالتكاليف الحقيقية لمعاشات التقاعد ظلت قيد الكتمان من قبل الإدارات المتعاقبة على مر السنين. الآن وقد وصلنا إلى مراحل حرجة في استدامة صناديقنا وتأخرنا كثيرا في إدخال الإصلاحات، فإن جميع الخيارات المتاحة أمامنا مكلفة للغاية فيما يتعلق بالاقتصاد السياسي. لذلك، أصبح التفكير الخلاق (أو كما يقال التفكير خارج الصندوق) أمرًا ضروريًا للخروج من هذا المأزق.

 

مشكلة كبيرة، يمكن حلها بتكلفة صغيرة

تقدر أصول أنظمة التقاعد العالمية اليوم بحوالي 52.5 تريليون دولار أمريكي (أي بما يعادل 62٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي عند 84.5 تريليون دولار أمريكي)، 53٪ من تلك الأصول أنتجتها صناديق التقاعد ذات المساهمات المحددة التي يتم تشغيلها من خلال الحوافز الضريبية. تقدم الحكومات في العديد من دول العالم "حوافز مالية" لتشجيع مواطنيها على المساهمة في تمويل تقاعدهم، وذلك عن طريق خفض ضريبة الدخل الشخصي عليهم.

من خلال التفكير في بعض الإصلاحات الناعمة التي يمكن تطبيقها في بلداننا العربية، يمكننا إحداث تغيير ملموس في قطاع التقاعد الوطني في السنوات العشرين القادمة، وبدلاً من العجز الحالي، يمكننا تجميع مئات المليارات من أصول التقاعد الجديدة من خلال مدخرات التقاعد الخاصة.

كيف يمكننا تحقيق ذلك؟ هناك ثلاث طرق معقولة.

أولاً، بدلاً من الحافز الضريبي على الدخل (الذي هو غير موجود أصلا في عدد من بلدان المنطقة) نقدم "حافز الادخار" للمواطنين الذين يدخرون من خلال أنظمة التقاعد الخاص التي يتم اعتمادها وترويجها من قبل الحكومات. وبذلك فإننا نقوم ببناء محرك ادخار معتمد من الحكومة، وخلق عقلية جديدة للتخطيط والإدخار التقاعدي بين المواطنين. يتم توفير منتجات التقاعد الخاص هذه من قبل مؤسسات مالية مختصة تحت إشراف البنوك المركزية ومؤهلة من قبل الحكومة.

ويمكن هيكلة المنتجات الإستثمارية للتقاعد الخاص التي تطرح للجمهور بحيث تميل نحو حماية رأس المال مع خصائص أداء معينة مناسبة ومصممة للادخار على المدى الطويل. وبدلاً من إعادة إختراع العجلة، فقد تستفيد أنظمة التقاعد الخاص بداية من صناديق الإستثمار التقاعدي العالمية المتاحة والقوية التي يقدمها مدراء الأصول العالميون من أمثال بلاكروك وفانغارد وفيديلتي وأماندي و إس.إس.جي.أيه وغيرهم.

ونظرًا لأن هذا النظام سيكون معتمدا من قبل الحكومة، فإنه يتم خصم رسوم الخدمة بشكل كبير بحيث لا تزيد عن 10 دولارات أمريكية شهريًا، وتساهم الحكومة بحوالي 1500 دولار أمريكي سنويًا في حساب كل مواطن يفتح حساب إدخار تقاعدي كحافز مالي له للادخار. ويتم بالتالي تحفيز المواطنين على الادخار من أجل دعم وتكميل معاشاتهم التقاعدية مستقبلا، لأن الخدمة ميسورة التكلفة ولأنها تدر عليهم أموالًا مجانية أيضًا.

ويمكن بناء النظام ضمن احكام وشروط خاصة لضمان ادخار المواطنين بانتظام وفوق حد أدنى لمستويات الدخل المختلفة، تشمل هذه الاحكام ما يلي:

  • لا يسمح بسحب الأموال من البرنامج قبل سن 55 بإستثناء الحالات الطارئة.
  • تستمر المكافأة السنوية الحكومية حتى سن 65 ما دام المواطن في الخدمة ولم يتقاعد بعد.
  • الإنسحاب في سن 60 يستحق 100% من الدعم الحكومي.
  • 60% من الدعم الحكومي فقط يستحق عن الانسحاب في سن 55.
  • يؤدي سحب الأموال قبل مضي 10 سنوات من الادخار في النظام إلى مصادرة 80% من الدعم الحكومي.

يكمن جمال هذا الإقتراح في أنه جاهز تقريبًا، ولا يتطلب تنفيذه كثيرا من التخطيط المطول. كل ما هو مطلوب هو إدخال إصلاحات بسيطة وناعمة على منظمومة التقاعد الوطني من خلال الحوافز المالية. بالإضافة إلى ذلك، فإن تكلفة تنفيذ مثل هذا النظام، بالنسبة لدولة خليجية متوسطة الحجم، لن تتجاوز 7 ملايين دولار أمريكي سنويًا، وستكون التكلفة المالية التراكمية الإجمالية لمدة 30 عامًا حوالي 200 مليون دولار أمريكي. والأهم من ذلك، أن نظاما كهذا بإمكانه تحويل 500,000 أسرة إلى مدخرين للمعاشات التقاعدية، مما يولد عشرات المليارات من أصول التقاعد المتوقعة التي ستخفف تدريجياً وبالتوازي من الأعباء المالية على صناديق التقاعد الحكومية، وتوفر للمواطنين بديلاً تكميلياً لتأمين دخلهم التقاعدي.

 

الخيار الثاني

الحل الثاني هو أخذ السياق التاريخي والعلاقة الاقتصادية بين صناديق التقاعد وقطاع الشركات وعكسها وتوظيفها بالمقلوب. فقبل أن تصل صناديق التقاعد الحكومية إلى مرحلة الإستحقاقات الحالية (عندما تكون التدفقات النقدية الخارجة أكبر من التدفقات النقدية الداخلة)، كانت هذه الصناديق نشطة وفعالة في جميع البلدان، وقد لعبت دورا تمكينيا من خلال مساهماتها في إنشاء البنوك الوطنية وشركات الاتصالات وإدارة الأصول ومؤسسات المواد الغذائية والشركات الصناعية وغيرها بسبب الأصول الاستثمارية الكبيرة التي تراكمت لديها في ذلك الوقت.

الآن مع مواجهة هذه الصناديق أعباء متزايدة تهدد استدامتها، قد يكون الحل عن طريق قلب المعادلة رأسًا على عقب من خلال الدورة الإقتصادية - من خلال جعل الشركات المحلية والبنوك والشركات الكبيرة تؤسس "شركة تقاعد وطنية" كمشروع تضامني فيما بينها. قبل خمسين عامًا، أدت أصول التقاعد إلى خلق الأعمال والوظائف والنمو، ربما حان الآن دور الشركات المحلية لخلق تقاعد أكثر ضمانا وصناعة تقاعدية أكثر إزدهارا.

 

الخيار الثالث

الحل الثالث هو مزيج أو هجين بين وقف التدهور السريع لصناديق التقاعد الحكومي عبر اعتماد نظام التقاعد ذو الإشتراكات المحددة بشكل تكميلي، حيث يكون الفرد مسؤولا عن إدارة جزء من إدخاره واستثماراته التقاعدية بشكل تدريجي وبالتوازي. فقد أصبح من المعلوم أن من أسباب تراجع صناديق التقاعد الحكومي في الشرق الأوسط هو سخائها النسبي الذي لا يتناسب مع المساهمات المدفوعة. ولحل هذه المعضلة وحماية ذوي الأجور المنخفضة والمتوسطة، بإمكاننا اللجوء إلى تعديل معادلة حساب الراتب المؤمن عليه في صناديق التقاعد الحكومي ليقتصر، على سبيل المثال، فقط على أول 3000 دينار بحريني من الراتب (حوالي 8000 دولار أمريكي) بدلاً من الراتب الكامل أو 80٪ كما هو الحال في معظم هذه البلدان، وذلك بالتوازي مع إدخال نظام التقاعد ذو الاشتراكات المحددة كدعامة تكميلية إختيارية للمواطنين الراغبين في التأمين على راتب أعلى من ذلك.

يساهم الموظف في هذا "التقاعد التكميلي الإضافي" مع خيارتحصيل مساهمات من صاحب العمل أيضًا. إن مثل هذه الهيكلة تعيد تركيز فلسفة المعاشات التقاعدية لتكون خدمة حماية إجتماعية وضمان إجتماعي في المقام الأول بدلاً من ثروة مضمونة مدى الحياة.

إن الفهم الحقيقي لتكاليف المعاشات التقاعدية يجب أن يعني أن هذا الجيل من المتقاعدين يجب أن لا يستنفد صناديق التقاعد الحالية أو يرتب مزيدا من الالتزامات المالية على حكوماتهم، في حين أنهم لم يدفعوا التكلفة الحقيقية لمعاشاتهم التقاعدية، بل تم نقل جزء كبير من هذه التكلفة إلى أطفالنا وأحفادنا.